كنت في الثامنة من عمري حين ذهبت لأول مرة لمشاهدة النصر. في تلك السنوات، كان كريستيانو رونالدو يُتوَّج أفضل لاعب في العالم. لكن الشخص الذي خرجت من الملعب أتحدث عنه لم يكن رونالدو. كان لاعباً برازيلياً مغموراً اسمه إيلتون خوسيه، لا يعرفه أحد خارج الرياض. لكنني في تلك الليلة كنت مقتنعاً أنه أعظم لاعب رأيته في حياتي.
بعد سنوات، حين وصل رونالدو نفسه إلى الرياض، احتاج الكثيرون إلى تفسير. ليس تفسيراً لماذا رأيناه بقميص العالمي، بل تفسيراً لرقم يصعب كتابته ناهيك عن تصوره. كيف يُدفع لشخص ما هذا المبلغ مقابل ركل كرة؟ وكيف يكسب من يبني جداراً أو يُصلح سيارتك أقل بكثير جداً؟
السؤال يبدو بسيطاً، لكنه يُخفي خلفه سؤال التنمية في المملكة بأكمله.
الأجور لا تعكس الاستحقاق الأخلاقي
الإجابة الساذجة هي أن الأجور تعكس الجهد، أو الحاجة، أو الأهمية الأخلاقية. لكن هذه الإجابات لا تصمد أمام الواقع. الممرضة التي تعمل ليالي متواصلة تستحق أكثر من أي لاعب، لكنها لا تكسب أكثر. والمهندس الذي يصمم جسراً يستخدمه آلاف الناس يومياً يكسب أقل من محامي شركات لا يعرفه أحد.
الأجور لا تعكس الاستحقاق الأخلاقي، والحمد لله أنها كذلك، لأنه لو كانت تعكسه لاحتجنا إلى لجنة حكومية تجلس كل يوم لتقرر من يستحق ماذا.
ما تعكسه الأجور في سوق يعمل بصورة طبيعية هو شيء واحد: الإنتاجية الحدية. بمعنى أبسط: ماذا يُضيف هذا الشخص للمؤسسة أو للسوق مقارنةً بعدم وجوده؟ رونالدو يُضيف مباريات مُشاهَدة ودعايات وعقوداً وزواراً يأتون للرياض خصيصاً لمشاهدته. هذا ليس رأياً، بل رقم يمكن قياسه في العقود الإعلانية وأسعار التذاكر وعوائد البث.
حين تتشوه الإشارة
السوق الحر حين يعمل بصورة طبيعية يُعطيك إشارة نقية: هذا الشخص ذو قيمة عالية لأن ما يفعله نادر ويريده كثيرون. وهذه الإشارة تُخبر الناس بأكملهم ماذا يتعلمون وأين يستثمرون وقتهم. حين يرى ألف شاب أن مبرمجي الذكاء الاصطناعي يكسبون مرتبات مرتفعة، بعض هؤلاء الألف يُقررون دراسة البرمجة. هذا ليس تخطيطاً حكومياً، بل هو تنسيق عفوي بين ملايين القرارات الفردية.
لكن حين تختلط الإشارة وتتشوه، حين يكسب شخص ما كثيراً ليس لأن السوق يحتاجه بل لأن قراراً فوقياً قرر ذلك، تتشوه المعلومة. وعندها يصبح من الصعب على الشاب الذي يختار مساره الدراسي أن يقرأ الواقع بشكل صحيح.
الوصمة الاجتماعية وتكلفتها
في المملكة، ولسنوات طويلة، كانت رسالة المجتمع واضحة: الشهادة الجامعية هي البداية والنهاية. الدكتوراه أفضل، والوظيفة الحكومية أفضل من كل شيء. المهن التقنية والحرفية كانت تقع تحت وصمة اجتماعية غير معلنة. من يعمل في الكهرباء أو السباكة أو الميكانيكا كان يُنظر إليه بعين مختلفة، بصرف النظر عن دخله الفعلي أو قيمته الحقيقية للاقتصاد.
هذه الوصمة الاجتماعية لها تكلفة باهظة. ليس فقط لأنها تبدد المواهب وتدفع الناس نحو مسارات لا يريدونها، بل لأنها تجعل سوق العمل يعاني من خلل هيكلي: فائض في بعض المهارات وشُح حاد في أخرى.
ما يحدث اليوم في المملكة لأول مرة منذ وقت طويل هو أن الأجور في بعض المهن التقنية بدأت تُرسل رسالة مختلفة. الفني الماهر في مجال الطاقة المتجددة، ومدير الإنتاج في مصنع، والمختص في الأتمتة الصناعية، هؤلاء يجدون اليوم عروضاً لم تكن موجودة قبل عشر سنوات. ليس لأن أحداً أصدر مرسوماً بذلك، بل لأن السوق نما واحتاجهم.
الأجور في النهاية ليست مجرد أرقام في كشف راتب: هي رسالة يُرسلها السوق لكل من يراقب ويفكر. والسؤال الذي يجب أن نطرحه ليس فقط "من يكسب أكثر؟" بل "هل الإشارة التي تصل لأبنائنا اليوم صادقة وتعكس ما يحتاجه الاقتصاد فعلاً؟"