في عام ٢٠٢٢، أعلنت المملكة عن سيير، أول سيارة كهربائية سعودية: شراكة بين صندوق الاستثمارات العامة وفوكسكون العالمية، وهدف إنتاج مئة ألف سيارة سنوياً، وطموح بأن تصبح المملكة لاعباً في صناعة المستقبل.

ودولتان جربتا هذا الطريق قبل المملكة بعقود.

أستراليا: أربعة عقود من الدعم، ثلاثة إغلاقات في عام

لأكثر من أربعة عقود، قررت الحكومة الأسترالية أن بلادها ينبغي أن تصنع سياراتها. ضُخّت مليارات الدولارات في دعم شركات كفورد وتويوتا وهولدن. كانت الحجة دائماً نفسها: حماية الوظائف، وبناء صناعة وطنية، وعدم الاعتماد على الخارج. وفي أكتوبر ٢٠١٦ أغلق مصنع فورد الأسترالي. وفي أكتوبر ٢٠١٧ أغلق مصنع تويوتا. وفي الشهر نفسه أغلق مصنع هولدن. ثلاثة إغلاقات في عام واحد، بعد عقود من الدعم السخي.

الوظائف التي "حُميت" بالمليارات ضاعت في النهاية، لكن بعد أن استنزفت من الاقتصاد الأسترالي ما كان يمكن توجيهه لصناعات قادرة على المنافسة فعلاً. هذه الشركات لم تكن تبني قدرة تنافسية حقيقية خلال تلك العقود، بل كانت تعيش على الدعم وتنتظر الدفعة التالية. حين أُوقف الدعم، انكشف أنه لم يكن هناك شيء حقيقي تحته.

البحث عن الريع

ما لا يُقال في هذه القصة أن الشركات الكبرى أرادت هذا الدعم. في علاقة الحكومة بالشركات الكبرى هناك مفارقة يتجاهلها كثيرون: الشركات الكبرى في الغالب تريد الحكومة أكثر مما تريد السوق الحر. ليس لأنها تحب الحكومة، بل لأن الحماية الحكومية تعفيها من عناء المنافسة.

فورد وتويوتا في أستراليا لم تكرها الدعم، بل كانتا تطالبان به وتلوّحان بالإغلاق كلما أراد أحد تقليصه. وهذا ما يسميه الاقتصاديون "البحث عن الريع": حين تصرف الشركات طاقتها في استجداء الحماية الحكومية بدلاً من تحسين منتجاتها. والمستهلك يدفع الثمن في النهاية: سعر أعلى لمنتج أقل جودة، لكيلا تخسر شركة كبيرة مكانتها.

فما الذي يجري في المملكة؟

صندوق الاستثمارات العامة السعودي اليوم هو أحد أضخم صناديق الثروة السيادية في العالم، بأصول تجاوزت سبعمئة مليار دولار. استراتيجيته مختلفة نظرياً عن النماذج الأسترالية والجنوب أفريقية: هو لا يدعم شركات خاسرة كي تبقى، بل يستثمر في قطاعات يريد بناء قدرة سعودية فيها.

وهذا فارق جوهري. المستثمر الحقيقي يقبل الخسارة حين يخسر ويسحب أمواله. أما الحكومة التي تحمي صناعة من المنافسة فهي لا تقبل الخسارة، وتواصل الضخ بصرف النظر عن النتائج. السؤال الذي يحدد مصير هذه التجربة السعودية هو: إلى أي النموذجين أقرب؟

التاريخ يقول: الدعم الحكومي يصنع صناعات حين يكون جسراً نحو الاستقلالية، ويدمرها حين يصبح هو الاستقلالية نفسها.

ونأمل أن تعبر سيير الجسر.