"لا يضع الجزار اللحم على طاولتك محبةً فيك؛ يضعه لأن في ذلك ربحه" – آدم سميث

منذ أواخر عام ٢٠٢٣، والحوثيون يستهدفون السفن التجارية في البحر الأحمر. الممر الذي تعبره نحو خمسة عشر بالمئة من حركة التجارة العالمية أصبح خطراً، فحوّلت كبرى شركات الشحن سفنها لتدور حول أفريقيا بدلاً من المرور بقناة السويس، مضيفةً أسبوعين أو ثلاثة على زمن كل رحلة، وعشرات الآلاف من الدولارات على تكلفتها.

المملكة العربية السعودية تستورد جزءاً كبيراً من احتياجاتها. الأرز والزيت والسكر والكثير مما نجده في البقالة يأتي من بعيد، عبر بحار وموانئ ومستودعات. فما الذي حصل حين أُشعلت الحرب حول أحد أهم ممرات الشحن في العالم؟

ومع ذلك، لم تجد المحلات فارغة.

وهذا هو السؤال الذي يستحق التأمل: لماذا؟

لا يوجد مدير عام للزيت

المملكة العربية السعودية يقطنها أكثر من خمسة وثلاثين مليون نسمة يستيقظون كل صباح ويحتاجون طعاماً ووقوداً ودواءً وملابس وآلاف السلع الأخرى التي تأتي من أصقاع الأرض. لا توجد لجنة تقرر كم طن من الأرز يدخل جدة هذا الأسبوع. لا يوجد مدير عام للزيت يوزع الكميات على المناطق. ومع ذلك، في الغالب، الأشياء موجودة.

لنجرب أن نديرها نحن. تخيل أنك مُكلَّف بضمان أن المملكة لا تنقصها السلع غداً، وذلك في ظل حرب تضرب الشحن البحري. ستحتاج أن تعرف كم مخزون كل ميناء، وما أسعار الشحن البديلة عبر طريق رأس الرجاء الصالح، وأي الموردين حول العالم يستطيع الشحن بأسرع وقت، وما مستوى المخزون في كل مستودع في كل مدينة، وما الكميات التي تحتاجها كل منطقة. ثم تتخذ قراراتك بناءً على كل هذا. كل يوم. وإن أخطأت في تقدير واحد، بعض الناس سيجدون الرف فارغاً.

هذا مستحيل، ليس لأنك غير كفء، بل لأن هذه المعلومات لا يمكن أن تكون في مكان واحد أصلاً. هي موزعة على ملايين الأشخاص والشركات حول العالم: المستورد في جدة يعرف مخزونه، التاجر في الهند يعرف كمية إنتاجه، الناقل البحري في اليونان يعرف خطوط سفنه، المستهلك في أبها يعرف ماذا يريد هو تحديداً. لا أحد منهم يرى الصورة كاملة، ومع ذلك الصورة تكتمل.

مشكلة المعرفة

كيف؟ عبر الأسعار.

حين ارتفعت تكاليف الشحن عبر البحر الأحمر، ارتفعت أسعار البضائع القادمة من آسيا. هذا الارتفاع وحده، دون أي مرسوم أو قرار حكومي، أطلق سلسلة من التحركات: بعض المستوردين بحثوا عن موردين أقرب. بعضهم زاد مخزونه مبكراً قبل أن يرتفع السعر أكثر. بعض الشركات وجدت طرقاً بديلة عبر موانئ مختلفة. والمستهلكون أنفسهم، حين وجدوا سلعةً ما بسعر أعلى، تحولوا جزئياً إلى البدائل.

لم تصدر كل هذه التحركات من مكان واحد. السعر وحده حمل الرسالة، وكل شخص تصرف بناءً على مصلحته الخاصة، والنتيجة الإجمالية كانت تكيفاً لا يستطيع أي مخطط مركزي في الدنيا أن يُنتجه.

الاقتصادي النمساوي فريدريك هايك سمّى هذا "مشكلة المعرفة". المعلومات التي يحتاجها أي نظام اقتصادي لكي يعمل هائلة ومتشعبة ومتغيرة لحظة بلحظة، ولا يستطيع أي شخص أو حاسوب في العالم أن يجمعها ويعالجها في وقت مناسب. السوق يحل هذه المشكلة تلقائياً من خلال الأسعار، لأن كل سعر يُلخّص ملايين القرارات والمعلومات المتفرقة في رقم واحد يفهمه الجميع.

الشيء الغريب في السوق أنك لا تلاحظه إلا حين يتوقف.