هناك تجربة يمر بها الجميع: تمشي في مركز تجاري وتتوقف أمام محل كان في يوم من الأيام يفتن بهاء وزحاماً، فإذا به اليوم فارغ أو حلّت محله ماركة لم تسمع بها. تأخذك لحظة من الحزن الخفيف، كأن شيئاً من ذاكرة المكان اختفى.

لكن هل يستحق هذا الحزن؟

في نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة كانت بلاك بيري في المملكة العربية السعودية ظاهرة اجتماعية قبل أن تكون تقنية. كانت خدمة المراسلة الفورية فيها هي واتساب زمانه، وكانت الأجهزة رمزاً للحداثة وعلامةً على الذوق. ثم جاء الآيفون وواتساب، واختفت بلاك بيري من جيوب الناس كأنها لم تكن. انهارت قيمة الشركة من خمسة وثمانين مليار دولار إلى ما يقارب الصفر في غضون سنوات.

هل كان هذا خبراً سيئاً حقاً؟

قبل أن تجيب، فكّر في مَن أفادته هذه "المأساة": كل شخص انتقل إلى هاتف أفضل، وكل شركة وجّهت مواردها نحو تقنية أفيد، وكل موظف ترك الشركة المنهارة ونقل مهاراته إلى مكان يحتاجه. خسارة شركة واحدة كانت مكسباً موزعاً على الملايين.

الإشارة التي نتجاهلها

الأرباح والخسائر في السوق ليست مجرد أرقام في ميزانية شركة ما. كل واحدة منهما تحمل معلومة واضحة: الربح يقول للسوق "ما تفعله ينفع الناس، استمر"، والخسارة تقول "ما تفعله لا ينفعهم بما يكفي، غيّر مسارك." وهذه المعلومة لا تصل إلى تلك الشركة وحدها، بل تصل لكل من يراها: مستثمرون يضخون أموالهم في القطاع المربح، وشركات جديدة تدخل المنافسة، وموردون يزيدون إنتاجهم.

الربح كالضوء الأخضر، والخسارة كالضوء الأحمر. والاقتصاد الصحي يحتاج كليهما.

المشكلة أننا نرى الخسارة والإفلاس كارثةً يجب تجنبها بأي ثمن. لكن تجنّب الخسارة بالطريقة الخاطئة يشبه تعطيل نظام الإنذار المبكر: لا تُلغي المشكلة، بل تُخفيها حتى تتفاقم.

تخيل أن الحكومة الأمريكية قررت إنقاذ بلاك بيري حين بدأت بالتراجع، لأن فيها آلاف الموظفين وتاريخاً عريقاً وحصة سوقية كبيرة. الأموال ستُضخ، والوظائف ستُحفظ مؤقتاً. لكن ماذا كان سيحصل بعد ذلك؟ ستظل الموارد محبوسة في تقنية يتخلى عنها الناس، والمستهلكون سيدفعون ثمناً أعلى لمنتج أقل جودة، والمبتكرون الذين كانوا سيبنون الشيء التالي سيجدون أمامهم ميداناً مُحتلاً بشركة تعيش على الدعم لا على القيمة.

التدمير الخلاق

شومبيتر سمّى هذا "التدمير الخلاق": كل ابتكار يزيح ما قبله ليبني ما هو أفضل. ليس التدمير هنا عدوانية أو جشعاً، بل هو الطريقة الوحيدة التي يتقدم بها أي اقتصاد.

ما الذي حلّ محل بلاك بيري؟ هواتف تحمل في جيبك حاسوباً أقوى من الأجهزة التي أوصلت الإنسان إلى القمر. وما الذي حلّ محل محلات تأجير الأفلام التي أغلقت؟ خدمات البث التي تحمل في يدك مكتبة لا تنتهي. وما الذي حلّ محل كثير من التجار التقليديين في المملكة حين انتشر التسوق الإلكتروني؟ خدمة أسرع وأرخص وأوسع تصل إلى كل بيت.

الربح ليس جشعاً. هو دليل على أن ما تفعله يريده الناس ويستحق الاستمرار. والخسارة ليست عقاباً. هي رسالة من السوق تقول لك بكل أدب: "جرّب شيئاً آخر."

والاقتصاد الصحي لا يحتاج إلى شركات لا تموت. يحتاج إلى شركات تموت في وقتها، وتُفسح المجال لما هو أنفع.