"الاقتصاد هو دراسة استخدام الموارد الشحيحة واستخداماتها البديلة" – ليونيل روبنز
لعلنا بعد قليل نعرف سبباً لارتفاع أسعار العقارات في الرياض، أو عن مرض "الجشع" الذي لا يصيب إلا التجار، أو عن سبب سقوط الاتحاد السوفيتي.
معظمنا يرى المال عائقاً للوصول إلى ما يتمنى من متع الحياة. فقد ترى بيتاً للبيع على شواطئ فرنسا، تحدثك نفسك بأنك وجدت بيت التقاعد، تبحث عن السعر ثم تندب حظك وتنتقد النظام الرأسمالي الذي يتيح للبعض امتلاك جزر بأكملها ويترك للآخرين الفتات. لكنك لا زلت غارقاً في خيالك وتتمنى لو أن هناك سقفاً للأسعار، فالوضع الحالي ليس عدلاً، أليس كذلك؟
نضع هذا السقف المجيد، ثم نذهب لنشتري بيت التقاعد بمدخراتك التي جمعتها طوال عملك في الثلاثين سنة الماضية. أبهجنا مجرد التفكير في هذا، غير أن فكرة أخرى طرأت على البال: إذا استطعنا شراء البيت بما تملك من مال، فكم من الناس يستطيعون شراء نفس البيت الذي على الشاطئ؟ وهل هناك ما يكفي لنا جميعاً؟ ماذا سيحصل عندها يا ترى؟
خلصنا بعد تفكير طويل أن ما سيحصل هو حشد غفير من الناس سيتجمعون لشراء البيت، ثم سيحصل عليه من يملك واسطة ويعرف أحداً نافذاً في الحكومة، ونحن يا صديقي "غلابا!"
المتأمل في أغلب الأشياء من حولنا يجد أن المشكلة الأساسية أنه لا يوجد ما يكفي لنا جميعاً، وأن المال ما هو إلا وسيلة لضمان الاستخدام الأمثل للموارد. ولأن الاقتصاد لا يعنى فقط بالقرارات المالية، تأمل معي هذا المشهد: حين يصل الفريق الطبي إلى ساحات الحروب فأول حقيقة يجب عليه إدراكها أنه لا يملك ما يكفي من الأدوية والممرضين لمعالجة جميع الجرحى، وأن عليه اختيار من يُرجى شفاؤه على من أصيبوا إصابات بليغة.
لكن مالنا ومال الحروب! لنأخذ مثالاً أقرب لواقعنا المعاصر؛ تخيل إن شركة البترول العظيمة الكائنة في شرق المملكة والمسؤولة عن توظيف الآلاف من سكان المنطقة تعرضت للإفلاس، الله لا يقوله! نستطيع التنبؤ بأن ما سيحصل هو انتقال كثير من السكان إلى مناطق أخرى بحثاً عن لقمة العيش، ونتوقع أيضاً أن العقار سينخفض بصورة كبيرة نتيجة لكثرة البيوع.
لا يكاد أحدٌ في المملكة إلا وسمع عن ارتفاع أسعار العقارات في الرياض، ولعل ندرة المعروض كما في مثال بيت التقاعد وزيادة فرص العمل يفسران هذه الظاهرة التي سمع عنها القاصي والداني.
كيف يساعد الاقتصاد في إدارة هذا الشح؟
لنقل إن سعيداً يعيش في مدينة أصابها زلزال هائل دمّر فيها العديد من البيوت. ذهب سعيد مع أسرته المكونة من خمسة أشخاص، بعد أن جمع ما يستطيع من حاجيات، إلى أحد الفنادق القريبة من المدينة، فوجئ أن السعر خمسة أضعاف ما اعتاد عليه. اتهم سعيد صاحب الفندق بالجشع وذكّره بعقاب الله تعالى، وحجز مُجبراً للمرة الأولى غرفةً واحدة بدل ثلاث.
ترك سعيد الغرفتين لعائلتين في أمسّ الحاجة، ولو كان السعر نفسه لتمتع سعيد بالمساحة وتركهم يبيتون في العراء، لأنه لن يوجد ما يكفي من الغرف لإيواء جميع المنكوبين لو استطاع الناس استئجار ما يريدون منها. وهذا تعريف "الاستخدام الأمثل للموارد".
قد تكون الآن قبلت الجزء الأول من مقولة ليونيل المتعلق بشح الموارد على مضض، لكن ماذا عن "الاستخدامات البديلة"؟
نستطيع استخدام الماء لإنتاج الثلج أو البخار وعدد لا نهائي من المنتجات التي يكون الماء جزءاً رئيسياً فيها. كيف نحدد كم من الحليب يذهب لصنع الزبادي، وكم منه يذهب لمصانع الجبن، وكم حصة الآيسكريم؟
الاتحاد السوفيتي وسؤال الآيسكريم
حسناً، قد يبدو سؤالي عن الآيسكريم سخيفاً في أحسن الأحوال، ولكنه السؤال نفسه الذي طُرح في أروقة الاتحاد السوفيتي. أجابوا على هذا السؤال بعد تفكير طويل ودراسات مفصلة، لكن النتيجة أن كثيراً من الناس اصطفوا للحصول على صنف واحد وأصبح ينفد باستمرار، في حين تركت أصناف أخرى حتى انتهت صلاحيتها.
حتى تعي حجم المشكلة عزيزي القارئ، اعترف المسؤولون السوفييت أنفسهم بأنهم يستخدمون موارد تفوق بخمسين بالمئة ما تستخدمه الولايات المتحدة، وطاقة أكبر بالضعف، لينتجوا ما لا يتجاوز ثمانين بالمئة من الإنتاج الأمريكي على أعلى تقدير.
من غير البديهي اعتبار الأسعار مجرد أداة تمكننا من الاستخدام الأمثل للموارد، وإن السبب الحقيقي الذي يمنعك من شراء بيت على الشاطئ هو عدم وجود ما يكفي لنا جميعاً. أعدك أنني سأحاول أن أرسخ هذه الفكرة في المقالات القادمة، فإنه يعز علي يا صديقي أن أراك ساخطاً للأسباب الخاطئة.